صديق الحسيني القنوجي البخاري

240

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الفراء : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين جبار من أجبر ، ودرّاك من أدرك ، والمراد هنا أنهم قوم عظام طوال متعاظمون قيل هم قوم من بقية قوم عاد ، وقيل هم من ولد عيص بن إسحاق ، وقيل هم من الروم ، ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط ، وعنق بنت آدم ، قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع . قال ابن كثير : وهذا شيء يستحى من ذكره ، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص » « 1 » . ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا ، وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه ، وهذا كذب وافتراء فإن اللّه ذكر أن نوحا دعا أهل الأرض من الكافرين فقال : رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [ نوح : 26 ] وقال تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ [ الشعراء : 119 ، 120 ] وقال تعالى : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [ هود : 43 ] . وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد زنية ، هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع ، ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر واللّه أعلم اه كلامه . قلت : لم يأت في أمر هذا الرجل ما يقتضي تطويل الكلام في شأنه وما هذه بأول كذبة اشتهرت في الناس ، ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التي وضعها القصاص ونفقت « 2 » عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم ، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة ، وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية ولا معرفة أن يدع التعرض لتفسير كتاب اللّه ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب القصاص ، وهي في الخازن أيضا عفا اللّه عنا وعنه . وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها من غير صنع من قبلنا فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها فَإِنَّا داخِلُونَ حينئذ ، هذا تصريح بما هو مفهوم من الجملة التي قبل هذه الجملة لبيان أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين فسار بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثني عشر

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 1 ، ومسلم في الجنة حديث 28 ، وأحمد في المسند 2 / 315 . ( 2 ) نفقت : أي راجت وانتشرت .